الغزالي

67

إحياء علوم الدين

مشغولا بالفرار عن جوار الماء الكثير ، ولا ببعض الماء الكثير . بل تقول أشرب منه بقدر الحاجة ، وأسقى منه عباد الله بقدر الحاجة ، ولا أبخل به على أحد فهكذا ينبغي أن يكون المال ، لأن الخبز والماء واحد في الحاجة ، وإنما الفرق بينهما في قلة أحدهما وكثرة الآخرة . وإذا عرفت الله تعالى ، ووثقت بتدبيره الذي دبر به العالم ، علمت أن قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا محالة ما دمت حيا ، كما يأتيك قدر حاجتك من الماء ، على ما سيأتي بيانه في كتاب التوكل إن شاء الله تعالى قال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان الداراني : قال مالك بن دينار للمغيرة اذهب إلى البيت ، فخذ الركوة « 1 » التي أهديتها لي ، فإن العدوّ يوسوس لي أن اللص قد أخذها . قال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفية ، قد زاده في الدنيا ما غلبه من أخذها فبين أن كراهية كون الركوة في بيته التفات إليها سببه الضعف والنقصان فإن قلت : فما بال الأنبياء والأولياء هربوا من المال ونفروا منه كل النفار فأقول : كما هربوا من الماء ، على معنى أنهم ما شربوا أكثر من حاجتهم ، ففروا عما وراءه ، ولم يجمعوه في القرب والروايا يديرونه مع أنفسهم ، بل تركوه في الأنهار والآبار والبراري للمحتاجين إليه . لا أنهم كانت قلوبهم مشغولة بحبه أو بغضه وقد حملت [ 1 ] خزائن الأرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فأخذوها ووضعوها في مواضعها ، وما هربوا منها . إذا كان يستوي عندهم المال ، والماء ، والذهب ، والحجر . وما نقل عنهم من امتناع ، فإما أن ينقل عمن خاف أن لو أخذه أن يخدعه المال

--> « 1 » الركوة - الزورق الصغير